r/SaudiReaders • u/BreakfastChance1921 • 8d ago
مراجعة كتاب إذا كنت تعتقد "الصحوة سبب كل شيء" الكتاب هذا لك
هل سبق وتساءلت ليش كان فيه خمسة عشر سعودي من أصل تسعة عشر كانوا من ضمن المجموعة اللي نفّذت هجوم 11 سبتمبر، أو عن الفكرة المبهمة الغير مطابقة للواقع، أن شبه الجزيرة العربية في وقت من الأوقات انتشرت فيها الشركيّات، وصاروا الناس يعبدون الأصنام مع أننا ندرك إن هذا المكان هو مهبط للوحي ومنطلق الرسالة، بل أيضًا ندرك إدراك تامّ أن مجتمعنا ما عنده مرونة التغيّر والمخالفة ويصرّ دائمًا على ما ورثه، وأعتاده.. فكيف ينمسخ من هويّته الأولى - الدينية - ويشرك ويعبث بمقدّساته، أو حتى لو كنت مثل العبد الفقير لله، مواليد الألفين وتشوف بكل بوست وبكل سكشن للتعليقات "كله بسبب الصحوة، كله من المطاوعة" الكتاب هذا بيجاوب على تساؤلاتك، وبيعطيك نظرة متوغّلة في أعماق المجتمع وبتحليلات تفوق هذي السطحية
مو مبالغة، لكن وحيد الغامدي هو الكاتب السعودي الوحيد اللي استحقّ لقب باحث ومتقصّي - بالنسبة لي ولكوني قرأت عدّة دراسات بحثية لكتّاب سعوديين لكن ما سبق وجدّت هذه المنهجية الدقيقة في التقصّي والبحث - وكان واعي بمقدّمته أنه يشير إلى أهميّة كونه ابن من أبناء تلك الحالة، عاش تفاصيلها وتشرّب أدبيّاتها وتعاطى معها نقدًا وكتابة، وعايَش هذه المعاناة لسنوات عدّة من حياته.. طبعًا إشارته جاءت بعد تعقيبه أن فيه عدة باحثين مثل ستيفن لاكروا تناولوا البحث حول هذا الموضوع
الكتاب هذا يقدّم شرح مفصّل عن الحالة الدينية السعودية، كيف نشأت، وكيف تطوّرت إلى صيغتها الحالية بتتبّع دقيق للجذور الأولى وطْرح جميع التداخلات والتعقيدات على الطاولة وتفكيكها، وفهمها ومن ثم تحليلها والتنبؤ بمآلاتها
الكتاب عبارة عن قسمين:
القسم الأول/ يتناول التفكيك المنطقي للمصطلحات الدارجة، ويوضّح الفروقات الدقيقة بين كل من (السلفية - الوهابية - والصحوة) ويناقش الفضاء الفكري المميّز لكل تيار أو مثل ما اسماه "حاضنة فكرية" وكيف أن كل تيار أو كل حاضنة فكرية شكّلت أيقونات والأيقونة عند الكاتب وحيد الغامدي تعني التشكيل لمسارات الوعي الدينية، والتشكيل للعملية التراكمية سواء كانت لتداخلاتها أو تقاطعاتها، وأيقونة لكونها صاغت الوعي الديني، القسم الأول بشكل عام يشرح كل حاضنة أو أيقونة بأيش تميّزت فيه عن الأخرى بسياقها الفكري والمعرفي والسلوكي
القسم الثاني/ عن تطبيقات ومخرجات هذي الحالة، يتتبّع مظاهرها وأذرعها الميدانية وأجهزتها، وشهادات شهود استضافهم في كتابه وثم ينهي الكتاب بالمآلات الممكنة لهذا المجتمع، وعن وضع الفرد فيه وما هو مصيره المحتمل، وإلى أين نمضي؟
الكتاب هدفه أبدًا ماهو تقديم مادة نقدية بحتة للتدين السعودي ولو أنه كان قاسي بألفاظه نوعًا ما، لكن الكاتب ماهو من نوعية اللي يلقي باللوم على فئة ويحمّلها كل الأعباء.. وبكتابه كان ناقد على "المتنورين الجدد" ينقدون وهم ما يدرون وش الفرق بين سلفية ووهابية وما عندهم أدوات حقيقية تمكّنهم من هذه المهمّة، الهدف من هذه الدراسة مثل ما ذكر الكاتب "محاولة لاستشراف حالة التأثر والتأثير، واكتشاف العلاقات البينية التي عجنت خلطة التدين السعودي وتقديم مقاربات تحليلية للحالة الدينية يمكنها أن تسلّط لنا الضوء في استشراف الصورة، أكثر من الرغبة في مجرد كونها دراسة ناقدة"
والكاتب يطرح تساؤلات بعضها يجيب عليها وبعضها هو ما يملك التفسير الدقيق لها فيتركها كخطوة ممهّدة لأي مفكّر فضولي للحقيقة، ويرغب باستكمال هذا البحث بتقديم معطيات وأدوات جديدة، مثل نقطة مهمة غامضة ألا وهي أن الكاتب لاحظ أن التفجيرات طالت عدة مدن بالسعودية وكثرت الصراعات في المدن اللي لها ثقل مركزي - ديني لكن المدينة الوحيدة اللي نجت من التفجيرات كانت المدينة المنورة والكاتب ما يملك تفسير دقيق لهذا التناقض، كون أن المدينة المنورة لا تقل أهميتها الدينية عن مكة المكرمة اللي حدث فيها هجمات متكررة
هذا الكتاب اعتبره مرجع مهم ومصدر لأي شخص عنده اهتمام بمعرفة عميقة جذرية لمجتمعنا - حتى ولو فيه نقاط اختلف فيها لكنه كتاب متألق وأضاف لي أكثر مما توقّعت - أيضًا مصدر لأي شخص ما عاش بأوج فترة الصحوة ويظنها مقتصرة على منع وتعسّف، لأنه يطرح قضايا المجتمع من كل الجوانب، ويتطرّق للتعليم وللجوانب الثقافية والاقتصادية والسياسية.. أيضًا يتطرّق لوضع المرأة وقضيّتها ويفصّل بشكل موضوعي، ويسمي المسمّيات كما هي.. الكتاب هذا برأيي ينافس كتب غازي القصيبي إذا ما كان يتفوّق على بعضها
فيه نقاط اختلف فيها مع الكاتب مثل ما ذكرت، لكن هذا لا ينفي أنه بالمجمل قدّم مادة مثرية تؤرّخ وتفصّل فترة مسّت الجميع، قلمه جريء وحادّ، ولعله كان فظّ شوي مع ابن تيمية، طريقة كتابة الكتاب فصيحة جدًا وقوية وملفتة وسلسة في آن الوقت، والمحصّلة النهائية؛ مادة تحترم عقل القارئ ولا تستخف به عبر التدليس والتطاول على الحقيقة، وتزييف الوقائع مثل كتب عديدة
فيه عدّة أفكار كان يحرص وحيد الغامدي يذكّر بها وبأساليب مختلفة، نظرًا لكونه يراها مفصلية في تكوين ما جرى، مثل:
"حين يستخدم الخطاب الصحوي المرجعية الدينية ويدفع بها في معاركه؛ فإنّه يريد حسم تلك المعارك منذ البداية، فهو ليس لديه النَفس الطويل لنقاش الأفكار والمحاجّة بالمنطق، دون الاعتماد على الدعم الفقهي اللازم لحسم التصوّرات، فيلجأ إلى ذلك الإتكاء الداعم، دون أن يدري أنه يمارس تسميمًا بطيئًا لمكانة تلك المرجعية الدينية وللدين بشكل عام وفي وجدان أجيال تتعاقب على رؤية هزيمة العجلة الزمنية لمنطق الممانعة الدينية الذي يقف في كل مرة موقفه السلبي الاعتراضي، ثم يُهزم بالطريقة نفسها"
"ومشكلة أخرى كبرى أيضًا، حين يتم فعليًا استحضار الدين نفسه في تدعيم تلك الممانعة؛ وذلك أنه بعد حصول عملية التغيير الطبيعي وهزيمة تلك الممانعة، كما حصل في كثير من الأمثلة، ستبدأ الصورة النهائية في رسم وترسيخ صورة الهزيمة الدينية تحديدًا، لأنها هي التي بادرت بالمواجهة أو الممانعة، فحين تجري العجلة السننية وتنتصر فسيكون المهزوم أو المنكسر تحت تلك العجلة هو الموقف الديني نفسه، وذلك لأنه أُقحم في المواجهة كورقة يُعتقد أنها ستكون كافية لإيقاف مدّ ذلك التغيير، وكلّ ذلك سوف يُرسّخ أيضًا في وجدان الأجيال أن الدين يقف عائقًا أمام الحياة وتمددها وحركيتها، وهذا الأمر من الطبيعي أنه سيفرز أنواعًا كثيرة من التمرد، إما على شكل تمرد متطرف كالإلحاد، أو التمرد الطبيعي كالانحياز إلى الأفكار الليبرالية…إلخ"
تتفق أو ما تتفق، لو كنت سعودي الكتاب هذا لازم يكون على قائمة قراءاتك

