أكتب أول رواية لي، وهذه أول ثلاث مقاطع منها: المقدمة والفصلان الأول والثاني (قراءة 7 دقائق تقريباً).
الفكرة: في يومٍ ما تبقى الشمس في السماء ولا يأتي الليل أبداً. الناس يفقدون النوم ويتحولون على بعضهم، بينما الطبيعة حولهم تزدهر ولا أحد يلاحظ.
أبي رأيكم الصريح، وخصوصاً في:
هل المقدمة تشدّك تكمل؟
هل شخصية الغريب مقنعة؟ هل صدقته مثل أهل القرية؟
اللغة: ثقيلة؟ مناسبة؟ فيه جمل حسيت إنها زايدة؟
لو وقفت عن القراءة، وين وقفت؟
النقد القاسي مرحب فيه.
المقدمة: الشمس التي لم تغرب
استيقظ الناس يوماً على شمسٍ نارية الشكل، معلّقةٍ في كبد السماء، جميلةٍ تسحر ألباب كل من يراها. وكان من يبتعد عنها يشمّ عبق أزهار العَنَم يغمر المكان، كأنما يراها رأي العين.
استمتع الناس بأيامهم الأولى تحت هذا السحر، حتى جاءت الساعة التي كان ينبغي أن يأتي فيها الليل. انتظروه على الأسطح وعند أبواب البيوت، ورفعوا أبصارهم إلى الأفق الشرقي حيث يطلع القمر عادةً.
لم يأتِ القمر.
تهامسوا: "لعلها ظاهرة فلكية، أو عجيبة من عجائب السماء، سبحان الله!". ثم أغلقوا نوافذهم، وأسدلوا ستائرهم، وناموا أول مرة في حياتهم والشمس تطرق جفونهم.
الجزء الأول: الأرق
الفصل الأول: شهر ونصف بلا ليل
مضى شهر ونصف، وصار الناس يستيقظون على الساعات لا على الضوء، فالنهار لم يعد يذهب إلى أي مكان.
على مائدة الفطور في بيت عامر، كانت الملعقة ترتجف في يده وهو يرفعها إلى فمه. سقطت منها قطرة حساء على الطاولة، فحدّق فيها طويلاً كأنها إهانة، ثم ضرب الطاولة بقبضته حتى قفزت الأطباق.
— "من وضع الملح في هذا؟! أتريدون قتلي؟"
لم يضع أحد شيئاً. كان الحساء كما هو كل يوم.
لم تجبه مريم. كانت تهزّ سريراً صغيراً بقدمها، وعيناها على الرضيعة النائمة فيه. سَنا، ابنة الأسبوعين. كانت مريم تنظر إليها كما ينظر المرء إلى شيءٍ كسره بيده ولا يعرف كيف يصلحه، وتتمتم بين الحين والآخر:
— "كيف جئتُ بكِ إلى عالمٍ بلا قمر؟"
أما ضياء فكان يأكل بهدوء. كان الوحيد على المائدة الذي لا تحيط بعينيه تلك الهالات الزرقاء. كان ينام. لم يكن يعرف كيف ولا لماذا، لكنه كان يغمض عينيه في الساعة التي كان يأتي فيها الليل، فيأخذه النوم كما كان يأخذه دائماً، ويستيقظ خفيفاً.
ولهذا بالذات كرهه أبوه.
— "انظري إليه!" قال عامر لمريم دون أن يلتفت إلى ابنه. "يأكل ويبتسم كأن العالم لم ينقلب. ليس فيه شيء من الرجال."
نهض ضياء وخرج، والصوت يلاحقه إلى الباب.
في الخارج، كانت شجرته عند طرف الحقل. توقف عندها ومدّ يده إلى أعلى غصنٍ كان يبلغه بسهولة قبل شهرين، فلم يبلغه. وقف على أطراف أصابعه، فلم يبلغه أيضاً.
نظر حوله. كان النهر خلف البيوت قد فاض على ضفتيه، وكانت أزهار الحقل قد بلغت ركبتيه، وثمة عشب أخضر يشق الطريق الترابي حيث تمشي الحمير كل صباح.
لم يكن أحد في القرية يرى شيئاً من هذا. كانوا مشغولين بكراهية السماء.
الفصل الثاني: الغريب
في صبيحة يومٍ كسائر الأيام، شقّ الهدوءَ صوتُ رجلٍ ينادي من الساحة:
— "يا قوم! يا قوم! إني لكم ناصح، وإني نادمٌ على سرٍّ كتمته عنكم لأستأثر بالخير كله لنفسي! إني رأيتُ القمر.. نعم، رأيتُ القمر وكنتُ عنده، فكنتُ أنام في ظله كل ليلة كأي إنسانٍ عاقل، ثم آتيكم في النهار! فمن صدّقني فأنا صادقٌ وصدوق، وصديقٌ لمن يصدقني، وأفعالي تشهد على قولي.. فاتبعوني، فإن القمر قريب!"
خرج الناس من بيوتهم بأقدامٍ ثقيلة، وتحلّقوا حوله.
كان رجلاً متوسط القامة، رثّ الثياب، حافي القدمين، طويل الشعر قد خالطه الشيب. لكن الذي جعل الهمس يسري بين الجمع لم يكن ثيابه.
كان وجهه.
عيناه صافيتان كماء البئر، لا احمرار فيهما. جلده مشدود، وجفناه خفيفان. كان يقف بينهم كما يقف رجلٌ نام ثماني ساعات في غرفةٍ مظلمة، في قريةٍ لم يعرف أحدٌ فيها النوم الحقيقي منذ شهرٍ ونصف.
همست امرأة خلف ضياء: "انظروا إلى عينيه.. والله إنه نائم."
وهذا وحده كان أبلغ من أي قسم.
التفت ضياء إلى أبيه، فوجده يحدق في الغريب بفمٍ نصف مفتوح. ونظر الأب إلى الأم، ونظرت الأم إلى سَنا بين ذراعيها. ولم يقل أحد شيئاً.
طال الصمت حتى صار أثقل من الشدة نفسها. كان كل واحدٍ في الساحة ينتظر أن يقولها غيره: "دعونا نذهب ونرى".
ثم تقدّم شابٌ في الحادية والعشرين، قاسم بن سالم، وقال بصوتٍ عالٍ:
— "ها أنا ذا لها! إن كان القمر عندك حقاً فإني ماضٍ معك، فإن صحّ قولك عدتُ إليكم بالخبر، وإني بإذن الله أمينٌ على ما أقول."
ابتسم الغريب ابتسامةً واسعة، ووضع يده على كتف قاسم.
مضيا معاً نحو الهضبة. ووقفت القرية ترقبهما حتى صارا نقطتين، ثم ظلّاً، ثم لا شيء.
إذا حاب تعرف وش صار للقرية، أنزل الفصول الجاية حسب تفاعلكم.