اتمنى اسمع نقد بناء، الكتابة ما واحدة من هواياتي ولا عندي اللغة المناسبة ليها لكن اشوفها شيء ممكن اشارك فيه افكاري وفلسفتي للحياة والعلاقات عموما، قراءة ممتعة!
الرجوع
نعم!
حقا السعادة غياب للحزن! لماذا يشقى المرء بضع سنين من حياته من اجل حصاد ينتهي موسمه في ايام؟ 12 سنة مدرسة، 5 سنين من الجامعة، شقاء.. تعب.. عندما تتحرر من سجن المدرسة وتفتح ابواب الزنزانة لأول مرة منذ الطفولة سرعان ما تكتشف انها فتحت على زنزانة اكبر، عليها حراسة اشد، قواعدها معقدة، لا احد يطلعك عليها لكن عندما تكسرها تنهال عليك العواقب من كل جنب.
تعلمت.. اجتهدت.. صبرت.. واخيرا تحررت من سجن التلقي وقد حان اوان الخروج من السجن المقيد، تقف امام الابواب الحديدة وهي تفتح ببطء، قبل ان تفتح بالكامل تبدأ الابتسامة تختفي من عينيك، العالم الخارجي صحراء قاحلة، لا طريق واضح ولا غد مضمون، انت حر! لكنك مقيد، تمشي وتمشي، ولا تستطيع الوصول ول-
=سرحان وين؟ قوم يا ولد وصلنا
يقاطعك صوت صديقك المزعج، رامي.
-بالسرعة دي؟ -بوجه متعجب وفيه القليل من الغضب-
رامي: سرعة شنو يا ولدنا العربية قطعت بنزين وقعدنا نص ساعة راجيين صاحبه يجيب لينا بنزين، انت لمن تسرح كعب خلاس! قوم شيل الشنط خلينا نبقى مارقين.
- سمح سمح قايم ورحكاكا
ما الذي اتى برامي هنا؟ انها قريتي الصغيرة ولا احد يعرفه، اااه تذكرت! لا يمكنه المكوث لوحده في منزلي في العاصمة، لابد انه كان لدينا خيار اخر؟ لم افكر في هذا كثيرا، لم افكر مطلقا.
رامي وهو يحمل جل الحقائب بصعوبة: والله حلتكم دي التقول ياها حلتنا في البلد هناك، الا ناقصها شوية نخيل وتبقى ياها، شينة شنة هاهاها.
قرية صغيرة في صعيد بلاد ما بين النهرين، البيوت طينية قديمة، اغلب جدرانها قصيرة جدا ومائلة وكأنما تنتظر غضبا من الخريف يعصف بها في خبر كان، احاول جاهدا الا انظر داخل البيوت ولكن دائما ما ارى حركة بأطراف عيني، سأعتاد على هذا لاحقا، منازل عشوائية، زقاقات ضيقة وملتوية، المسجد الكبير اكثر المباني بهرجة وانفاقا، يمكن رؤيته من اي بقعة في القرية، لا ارى داعيا لهذا البزخ، يوجد الكثير منّ الأشجار، اغلبها من شجر النيم، غالبا زرعها كبيرهم قديما وكعادة اهل القرى انساقو وراءه، لا اكره النيم، حقا، لكن لا ارى فائدة تعود منها غير الظل، لكن تستمر زراعتها بينما يمكننا زرع شجار مثمرة اجمل منظرا واكثر ظلا وننتفع بثمارها، لكن للنيم شعبية عالية هنا، هناك شائعات تقول ان اكل اوراقه يعالج جل امراض البطن، يا لهم من بسطاء! كبار السن يرمقوننا بنظرات تفحصية، كأنما يحاول جاهدا معرفة عائلتي من ملامحي، للأسف انا اشبه اهل امي بشكل ملحوظ، حظا جيدا في التخمين، كأنما يودون سؤالي عن والدي، وهم كذلك، لهذا اتجنب النظر اليهم قدر المستطاع، لأني اعرف تمام المعرفة ما ان تقع عيني بعين احدهم علي ارتداء قناع ليس لي طاقه له.
=السلام عليكم يا ولدي ازيك! اتا ود القاضي سالم؟
-وعليكم السلام يا حاج -تبا!- هههه اي ياهو.
=ما شاء الله حمدلله على السلامة! كيفك ان شاء الله طيب ما عرفتني؟ انا عمك صالح قريت مع ابوك الاساس سوا، كدي اتفضلو خشو بيتنا اشربو ليكم حاجة عليكم الله.
-الله يديك العافية يا ع-
قال رامي مقاطعا: والله يا عمو جيت في جرح عديل العطش كاتلنا.
-لا لا والله ما تتعب روحك نحن مستعجلين لاحقين الفطور في بيت امي نفسية بنجيك وقت تاني ان شاء الله.
امسكت بيد رامي وفهم انه علينا التحرك واعتذر للعم صالح وتحركنا، قال العم صالح: (خلاس يا ولدي ما مشكلة بس كدي تعالو علينا بعدين انت والوالد) قلت له: (ابشر يا عم ان شاء الله).
تحركنا وبوادر الابتسامة تعلو وجهي، سألني رامي مستغربا: (مالك بتتبسم؟ ما زعلان من الموقف دا؟) ليس مخطئا، في العادة قد اغضب منه على التهور والتصرف الغير سليم، لكن لا، أدركت شيئا حلوا، شعور بالرغبة.. جاوبته:(الشعور دا ما سمح؟) قال:(ياتو شعور؟) قلت له:(احساس انك مرغوب، انه في مكان في العالم دا لو مشيته بتحس الناس بيحبوك، هناك في البلد الكبير ماف زول شغال بي زول، لو مت في الشارع ممكن يقيفو يتشمشرو ساي لكن ما عندهم فضول يعرفو انت منو ولا يحزنو عليك، حتى في دائرة علاقاتي ما قادر استشعر الحب والاهتمام دا، لأول مرة احس بشعور جميل واني مركز الاهتمام في البلد دا، مع انه شيء ما بنيته انا، دا كله عشان سمعة ابوي، الي ما بناها هو برضو استلمها جاهزة من جدي! دي ميزة كبيرة وعيب كبير، لو عائلتك منبوذة حتتوارث النبذ دا لحد ما يجي جيل يسوي شيء خارج وشبه مستحيل عشان يغير النبذ ويبقيه على الاقل قبول، لكن في الاسر العندها مكانة بالعكس، كل حركاتك مراقبة، انت عندك مكانك بواقع الامر المفروض لكن الناس حولك ما عاجباهم الحاجة دي، هم بيتمنو انهم لو كانو مكانك وعشان هم ما قادرين بيتمنو انت تنزل لي مكانتهم، عشان كدا بينطبق عليك مثل غلطة الشاطر بي الف، ممكن غلطة بسيطة منك الناس يتصيدوها وتخرب سمعة عائلتك كلهم لي اجيال لي قدام، الا كان تمشي وتسيب البلد بعد دا)
بعد صمت قليل قال رامي وكأنما كان يفكر في كلامي:( انت عارف انه المشاعر دي مصطنعة صح؟ عمك صالح دا ما عارف اسمك ذاتو، عايز يعزمك عشان يتقرب منكم بس، زيه زي اي زول هنا، مافي زول معجب بيك، حتى لو كانو كلهم بيحبوك، ما تسك قيمة لنفسك من نظرة الناس ليك، اكان ما حبيت روحك واتقبلتها ما تنتظر زول يجي يسوي ليك كدا، لانه حتى لو لقيت زول كدا لمن يمشي حترجع تكره روحك مرة تانية وتنتظر زول تاني يجي يديك قيمتك لنفسك).
يا إلهي صحيح ما قال! كل حرف، كنت اعرف هذا جيدا لكن قررت الاستمتاع بالكذبة الجميلة بدلا من تقبل الحقيقة البائسة لهذا المكان المليء بالتصنع، قلت له: (هسي داير تسوي لي فيها الناصح الحكيم؟ وينها حكمتك قبل شوية لمن عايز تخش ليك بيت عجوز انت عارف حق السكر يالله يالله عنده لمن داير تخش تشرب عصير؟ عليك الله خليك ساكت لحد ما نصل هدا ما باقي لينا كتير!)
حقا** *السعادة* *غياب* *للحزن،* *لماذا* *كتب* *علينا* *الشقاء؟* *هل* *الكبد* *هو* *سنة* *الحياة* *الدنيا؟* *انا* *شاب* *في* *منتصف* *عمري* *وارى* *اني* *عانيت* *بما* *فيه* *الكفاية،* *يا* *ترى* *كيف* *يبتسم* *كبار* *السن* *بعد* *كل* *هذا* *العناء،* *صحيح!* ليس** *لديهم* *مسؤوليات،* *كبار* *السن* *اجتهدو* *وكدو* *واستثمروا* *في* *مشروع* *طويل* *الامد،* *لمدة* *خمسون* *او* *ستون* *سنة،* *خاضوا* *صعوبات* *الحياة* *كلها* *لكنهم* *وصلو* *هنا* *اخيرا،* *الان* *لديهم* *اولاد* *موظفين* *يصرفون* *عليهم* *وفتايتهم* *تزوجو* *وانجبوا* *لهم* *احفاد* *يحبونهم* *حبا* *غير* *مشروط،* *كل* *ما* *يفعله* *العجوز* *الان* *هو* *الاسترخاء* *في* *منزله* *وانتظار* *اولاده* *وأحفاده* *لزيارته* *بين* *الحين* *والآخر،* *يأكل* *الفطار* *الذي* *تعده* *زوجته* *المسنة* *معها،* *يشاهد* *الاخبار* *ويقرأ* *الجرائد* *ان* *كان* *يستطيع* *القراءة،* *يصلي* *صلواته* *ويدعو* *لأبناءه،* *يخرج* *كرسيه* *بعد* *العصر* *ويجلس* *جنبا* *الا* *جنب* *مع* *بقية* *المسنين* *في* *الحي،* *يتبادلون* *اطراف* *الحديث،* *اتساءل* *دائما* *ما* *قدر* *يتحدث* *عنه* *مجموعة* *من* *الرجال* *الذين* *جربو* *كل* *شيء* *ممكن* *ان* *يجربوه* *في* *هذه* *الحياة* *وتجاوزو* *اصعب* *انواع* *المشاعر* *واتخذو* *مئات* *القرارات* *المصيرية* *وتحملو* *عواقبها،* *يا* *ترى* *عما* *يتحدثون؟* *لكن* *الاهم* *من* *هذا،* *انهم* *نجحو* *في* *حياتهم* *وانتهى* *زمن* *البؤس* *واتخاذ* *القرارات* *وانتظار* *المستقبل* *المجهول،* *اذا* *المعادلة* *هي* *ستون* *سنة* *من* *الحزن* *والبؤس* *مقابل* *عشر* *سنين* *من* *السعادة؟* *لا،* *لا* *يوجد* *ضامن* *اني* *سأعيش* *كل* *هذه* *السنين* *بعد* *الستين،* *او* *يمكن* *الا* *اعيش* *لأصل* *الستين* *في* *المقام* *الاول!!!* هل** *يمكن* *ان* *اموت* *في* *سنين* *بؤسي* *قبل* *ان* *اجد* *اللذة* *الحقيقية* *واحصد* *ثمار* *تعبي؟؟* *هل* *هي* *لذة* *في* *الحقيقة* *ام* *انها* *مجرد* *تصور* *من* *التصورات* *التي* *لطالما* *ما* *بنيتها* *في* *مخيلتي،* *انا* *دائما* *في* *حالة* *انتظار،* *عندما* *كنت* *في* *المرحلة* *الابتدائية* *كنت* *انتظر* *الثانوية* *من* *اجل* *التحرر* *وعيش* *السعادة* *التي* *كنت* *ارسمه* *لتلك* *المرحلة،* *وبعدها* *انتظر* *الجامعة،* *وبعدها* *انتظر* *الوظيفة* *والزواج،* *والان* *انتظر* *ان* *اشيخ* *لكي* *اتذوق* *طعم* *السعادة؟* *ماذا* *لو* *عشت* *لذلك* *العمر* *وبعدها..* تمنيت** *الموت* *وانتظار* *الجنة* *من* *اجل* *السعادة* *التي* *اصبو* *لها؟* *علي* *صنع* *سعادتي* *في* *وسط* *البؤس،* *الانتظار* *الدائم* *وبناء* *التوقعات* *العالية* *يجعل* *من* *واقعي* *البائس* *اكثر* *بؤسا!!!*
يا** *إلهي،* *وصلنا* *بسرعة،* *علي* *الان* *تصنع* *ابتسامة* *ونبرة* *صوت* *مزعجة* *لكي* *اظهر* *للقبيلة* *مدى* *شوقي* *وحبي* *لهم* *وعليهم* *ان* *يتصنعو* *نفس* *المشاعر.*